السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
471
مفاتيح الأصول
الشخص من الظن مما أجمع عليه العلماء أو دل دليل القاطع على حجيته وذلك كما فرض أن الأمّة مائة رجل مثلا وكل واحد منهم يقول بحجية ظن خاص لا يقول بحجيّة الآخر فإن الإجماع قد حصل على حجيّة الظن في الجملة لا على ظن مخصوص ومن الظاهر أن الإجماع الَّذي على حجيّة الظن بعد انسداد باب العلم من هذا القبيل وكذلك ما عداه من الدليل القاطع الدّال على حجيّته ومن الظاهر أن مثل هذا الظن غير نافع ولا يصح عده من الظنون المخصوصة ولا من الأسباب الشرعية وقد أشار إلى ما ذكر جدي قدس سره فقال وبالجملة رفع اليد عن الظنون بالمرة يوجب رفع الشرع وتحقق إجماع يقيني على اعتبار خصوص ظن يقينا اعتباره في تحقق الشرع لنا غير معلوم وقال أيضا في مقام آخر وأيضا المدار في أمثال هذه الأزمان على الظنون والأخباريون أيضا يقولون الظاهر أن الحديث كذلك أو أن المراد كذلك وأمثال ذلك وليس على كل واحد واحد دليل من الكتاب والسّنة كما لا يخفى انتهى سلمنا وجود ظن خاص ولكنّه في غاية القلة كالعلم بالحكم الشرعي في ما يدل على عدم جواز الاقتصار في الفروع على ما علم يدل عدم جواز الاقتصار على هذا الظن وإن انضم إلى ذلك العلم وقد أشار إلى هذا سلطان المحققين فقال قوله ولكن ذاك ظن مخصوص الظاهر أن ذاك إشارة إلى ظاهر الكتاب ولا يخفى أنه غير موجود في أكثر الأحكام مع وقوع التكليف بها قطعا فطريق هذا الظن المخصوص منسد كالعلم بالنّسبة إلى أكثر الأحكام مع وقوع التكليف بها قطعا وهذا كاف للمستدل فظاهر أن هذا البحث لا يضر المستدل نعم لو قيل مثل هذا في البراءة الأصلية لكان متوجها انتهى لا يقال قد انعقد الإجماع على حجية ظاهر الكتاب والظن المستفاد منه بأي نحو حصل ذلك وبأي وجه تحقق ومن جملة ذلك الظن المستفاد من آية النبأ الدالة بمنطوقها وبمفهومها على حجّية أصل خبر الواحد وعلى حجية كثير من أفراده ومع ذلك فقد انعقد الإجماع على حجيّة كثير من أخبار الآحاد وعلى حجية القياس بالطريق الأولى بقسميه وبالجملة تحقق الإجماع على حجية جملة من الظَّنون ويمكن أن يستدل على حجية بعضها بظاهر الكتاب والسّنة المجمع على حجيّته فيجب بعد انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة العمل بهذه الظنون المخصوصة ومعه لا يلزم الخروج عن الدّين ولا التكليف بما لا يطاق فيجب الاقتصار على تلك الظنون والرّجوع في غيرها من الظنون الَّتي هي محلّ البحث كالظَّن الحاصل من الشهرة والاستقراء ونحوهما إلى الأصل القطعي المستند إلى الكتاب والسّنة والإجماع ودليل العقل من عدم جواز العمل بالظن فيتجه حينئذ ما صار إليه القائلون بلزوم الاقتصار على الظنون المخصوصة لأنّا نقول قد تحقق مما ذكر أن الحجة للقائلين بلزوم الاقتصار على الظنون المخصوصة منحصرة في الإجماع إمّا على حجيّة ظن بخصوصه متعلق بحكم فرعي أو على حجيّة ظنّ مقتض لحجية ظن آخر ونحن نجيب عن هذه الحجة أولا بالمنع من انعقاد الإجماع على حجية ظاهر الكتاب ولو في الجملة لا على وجه الضرورة مطلقا ولو مذهبا ولا على وجه النّظر أمّا الأوّل فواضح في الغاية وكيف يحتمل ذلك والحال أنّ جماعة من الأخباريين إن لم نقل كلَّهم يمنعون من العمل بظاهر الكتاب بنفسه ويؤيده ما حكي عن ابن قبة الَّذي هو من رؤساء الإمامية المنع من العمل بالظن في الأحكام الشرعية مطلقا ولو كانت فرعية وأما الثّاني فلأن الإجماع بمعنى دخول المعصوم عليه السلام ) في جملة المجمعين لا معنى له هنا إذا المعصوم لا يعمل بظاهر القرآن وإلا لكان مجتهدا كسائر المجتهدين بل جميع الأحكام عنده قطعية وأما الإجماع على الوجه الذي ذكره الشيخ في العدّة من أنه إذا اتفقت الأمة على أمر ديني فيجب على المعصوم عليه السلام منعهم عن الاتفاق على ذلك لو كان خطاء فمع كونه في غاية الإشكال لتوقّفه على جريان قاعدة اللطف في هذه الأمور وعدم احتمال المانع من الرّدع بعيد هنا غاية البعد كما لا يخفى فلم يبق سوى الإجماع بطريق بعض المتأخرين من حصول الحدس القطعي بقول المعصوم عليه السلام أو برضاه بأمر من اتفاق كثير من الإمامية عليه في بعض المواضع ومن الظاهر أن هذا الحدس حصوله هنا بعيد غايته لعدم استناده إلى الأقوال الكثيرة مع وجود مخالفة الأخباريين وابن قبة لا يقال الإجماع قولا هنا وإن كان غير متحقق ولكن نستفيده من فعل الأصحاب فإنّهم قديما وحديثا يستندون إلى ظواهر الآيات الشريفة لإثبات الأحكام الشرعية من غير نكير منهم ومن الظاهر أنّ الإجماع كما يحصل من القول كذا يحصل من الفعل لأنا نقول لا نسلَّم حصول ذلك من جميع الإمامية نعم اتفق ذلك من جماعة كثيرة منهم ومجرد ذلك لا يوجب الإجماع والعجب من دعوى بعض الإجماع في هذه المسألة على أنا نراه أنه يرى اتفاق الأصحاب قولا على حكم ورد في الأخبار التنبيه عليه ومع ذلك لا نقطع بالإجماع ولا شبهة أن تحصيل الإجماع من الفعل المجمل المشتبه الدّلالة باتفاق الأصوليين على الظاهر أصعب بمراتب من تحصيله من الأقوال الصّريحة الناشئة من العلماء المتقدمين والمتأخّرين المعروفين في المسائل الفقهية لعدم حصول الإجماع من الأسهل وحصوله من الأصعب من أعجب العجائب ثم إنا نقول لو كان مجرّد استدلال أولئك مقتضيا للإجماع المفروض للزم دعوى الإجماع على العمل بالظن في أصول الدين لأن أولئك يستدلون على مسائلها بظواهر الكتاب وهو باطل جدّا إذ من المعلوم أن معظم الإمامية على عدم جواز العمل